📁 آخر الأخبار

البنية العقارية بالمغرب ومدى تأثيرها على عمل التعاونيات السكنية في زمان كورونا

البنية العقارية بالمغرب ومدى تأثيرها على عمل التعاونيات السكنية في زمان كورونا

د/ العربي محمد مياد


ما من شك أن العقار يلعب دورا محوريا في الدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية وتحقيق التنمية المستدامة ، باعتباره اللبنة الأساسية التي تقام عليها جل المشاريع الاستثمارية ولا سيما السكنية والتجهيزات العمومية والمرافق الصناعية والتجارية والترفيهية . والمثال المغربي المأثور يحث على أنه "اللي تلف يشد الأرض ".
وقد جاء في الرسالة الملكية السامية لصاحب الجلالة محمد السادس الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية حول موضوع " السياسة العقارية للدولة ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنعقدة بمبادرة من رئاسة الحكومة بتاريخ 8 _ 9 دجنبر 2015 "بأن العقار يعتبر عامل إنتاج استراتيجي ورافعة أساسية للتنمية المستدامة بمختلف أبعادها ، ومن تم فالعقار هو الوعاء الرئيسي لتحفيز الاستثمار في مختلف المجالات الصناعية والفلاحية والسياحية والخدماتية وغيرها . "
وحسب رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول العقار في المغرب المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 16 ابريل 2020 ، فإنه تكتسي الرهانات المرتبطة بالعقار طابعا هاما ومعقدا في الوقت نفسه ، ذلك أنها تحدد طبيعة العلاقات القائمة بين مكونات المجتمع بشأن الولوج إلى الثروة الوطنية العقارية ، سواء كانت هذه الثروة عمومية أو خاصة .
وعامة تمتاز البنية العقارية في المغرب بالتعقيد والتشابك الناجم عن تداخل مجموعة من العوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية. وفي بعض الأحيان التنافر بين الفاعلين والمدبرين للعقار وأيتها عدد الدعاوى المرفوعة لدى المحاكم ضد بعضهم البعض ، في غياب سياسة عقارية واضحة المعالم على مستوى كيفية تدبير المجال العقاري وسبل تثمين هذه الثروة الوطنية.
ومن خلال التقرير التركيبي لواقع العقار بالمغرب الذي أعدته رئاسة الحكومة بمناسبة المناظرة الوطنية للسياسة العقارية للدولة ودروها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية السالفة الذكر، _ وهي بالمناسبة المناظرة الأولى في تاريخ المغرب التي أعدتها رئاسة الحكومة وبخبراء مغاربة مائة في المئة - يستنبط ما يلي :
_ رغم وجود ترسانة قانونية منظمة للعقار بالمغرب كما تم تحديثها ، فإنه لا يوجد أي منظور شمولي ومتكامل لجعل هذه الترسانة قادرة على مواكبة التطور الاقتصادي والاجتماعي للمغرب،
_ عدم انسجام مختلف النصوص القانونية فيما بينها، حتى تكون قادرة على تثمين العقار وجعله في خدمة التنمية العامة ؛ ناهيك عن غياب التنسيق بين مختلف المتدخلين في مجال العقار .
وهذا يعني أن محاكمة واقع العقار بالمغرب سواء من طرف جلالة الملك أو رئاسة الحكومة تدين السياسة العقارية المتبعة حتى الآن ، وهذا ما تم استخلاصه من الرسالة الملكية السامية المشار إليها سابقا.

العنوان الأول : الترسانة القانونية المؤطرة للعقار متهالكة
1_ على مستوى مسطرة تصفية الأملاك العقارية
تخضع عملية تصفية العقار في المغرب إلى جملة من القوانين منها ما يعود إلى عهد الحماية ومنها ما هو مخضرم ، وقلتها حديثة ولا سيما من حيث الشكل ولكنها لم تخرج من جبة القوانين السابقة عليها.
أ _ بالنسبة للتحفيظ العقاري : ينظم مسطرة التحفيظ العقاري ظهير 12 غشت 1913 كما وقع تعديله وتتميمه بدءا من 2 ماي 1917 إلى غاية 30 دجنبر 2013 مرورا بالقانون رقم 14.07 بتاريخ 22 نونبر 2011 الذي حاول إعادة توزيع الأدوار ومنح دفعة قوية لمسطرة التحفيظ العقاري وزجر عرقلتها ولا سيما عن طريق التعرضات الكيدية .
لكن إلى جانب هذه المسطرة التي من المفروض أنها القانون العادي للتحفيظ العقار ي، تم الاحتفاظ بمساطر خاصة تعطي امتيازا للأشخاص العامة وبعض فئات الاجتماعية الأخرى ، نذكر هنا التحديد الإداري الذي تسلكه الدولة والجماعات السلالية من أجل تصفية بعض أملاكها العقارية ،بداية بمقتضى ظهير 1 يوليوز 1914 بالنسبة للأملاك العمومية ، وظهير 3 يناير 1916 بالنسبة للملك الخاص للدولة _ العادي والغابوية _ ، ثم بالنسبة لأراضي الجماعات السلالية بمقتضى القانون رقم 63.17 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف بتاريخ 9 غشت 2019 .
والقاسم المشترك بالنسبة لمسطرة التحديد الإداري أن اللجوء إليها لا يتم إلا بالنسبة للممتلكات ذات المساحة الشاسعة، والتي لا تقل عادة عن 500 هكتار ، وفي غياب حجج متينة لإثبات الملكية ، مما ينجم عنها في غالب الأحيان مناوشات مع المواطنين ، نذكر على الخصوص حالة التحديد الغابوي في منطقة سوس نموذجا .
والغريب أن قانون التحفيظ الجاري به العمل حاليا وهو بالمناسبة ذلك الذي كان ساريا في المنطقة التي كانت تابعة للنفوذ الفرنسي لا يعترف بالرسوم الخليفية المؤسسة في منطقتي النفوذ الاسباني و طنجة الدولية ، مما جعل ظهير 12 غشت 1913 يرمي إلى معالجة مشاكل الشمال المغربي بعقلية واضع نصه في النفوذ الفرنسي.
والنتيجة أن نسبة كبيرة من الممتلكات العقارية والحقوق العينية بالشمال لاازالت في وضعية غير مستقرة ، مما يتطلب معالجة سياسية وليس بيروقراطية .
ب _ على مستوى البنية العقارية
مجموعة من النصوص تصدت لتنظيم الهياكل العقارية بالمغرب ، منها ما ذو بعد اقتصادي وسياسي ، واجتماعي، وأمني، وتاريخي، وسياحي ، تم توظيفها في إطار المخططات التنموية للدولة والجماعات الترابية انطلاقا من المخططة الخماسي الفلاحي ( 1960 _ 1964) توجت بصدور ميثاق الاستثمار الفلاحي لسنة 1969 حيث تم تنظيم الهياكل العقارية الفلاحية ومسطرة تصفيتها وتثمينها وسبل هيكلة العالم القروي .
أما على مستوى العالم الحضري ، فقد عرف هذا المجال صدور مجموعة من النصوص القوانين والتنظيمية ، نذكر على الخصوص ظهير 30 يوليوز 1952 الذي عوض بالقانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير لسنة 1992 ، وكذا ظهير 30 شتنبر 1953 المتعلق بالتجزئات العقارية وتقسيم العقارات الذي عوض بالقانون 25.90 لسنة 1992؛ مرورا بالقانون الأساسي الخاص بالعمارات المشتركة ذات المساكن بتاريخ 16 نونبر 1946 كما وقع تعديله وتتميمه، الذي غير بقانون الملكية المشتركة للعقارات المبنية رقم 18.00 كما وقع تعديله وتتميه سنة 2016 . دون إغفال قانون نزع الملكية لأجل المنفعة العامة لسنة 1914، ثم 1951 وحاليا قانون 1982 الذي أصبح متجاوزا. وكذا القانون المتعلق بتعهد البنايات وتخصيص مساكن للبوابين في البنايات المعدة للسكنى المؤرخ في 8 أكتوبر لسنة 1977.
والجدير بالذكر أن العهد الجديد عرف صدور مجموعة من النصوص المتعلقة بالعقار نذكر على الخصوص :
_ القانون رقم 44.00 الصادر سنة 2002، كما وقع تغييره المتعلق ببيع العقار في طور الانجاز ؛
_ القانون رقم 51.00 المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار الصادر سنة 2003؛
_ مدونة الأوقاف الصادرة سنة 2010 والمعدلة سنة 2019؛
_ القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية الصادرة بتاريخ 22 نونبر 2011 كما وقع تعديلها وتتميمها ؛
_ القانون رقم 12.67 الصادر بتاريخ 19 نونبر 2013 المتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكن أو الاستعمال المهني بهدف تنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري بما يضمن الاستقرار والتوازن العقدي ،
_ القانون رقم 94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري الصادر بتاريخ 27 ابريل 2016 وكذا المرسومين التطبيقين له؛
_ القانون 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي الصادر سنة 2016؛
_ القانون رقم 70.14 المتعلق بهيئات التوظيف الجماعي العقاري بتاريخ 25 غشت 2016، التي قد تتخذ شكل صندوق أو شركة عقارية ، وبإمكانها بناء أو اقتناء عقارات بغرض كرائها؛
يضاف إلى كل ما سبق، صدور مجموعة من النصوص القانونية تنظم مجال التوثيق في مجال العقار، نذكر هنا القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة الصادر سنة 2006 ، والقانون رقم 32.09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق "العصري" الصادر بتاريخ 22 نونبر 2011....

العنوان الثاني : ازدواجية النظام العقاري بالمغرب
رغم مرور أكثر من قرن على صدور ظهير التحفيظ العقاري ، لم تستطع السلطات العمومية تجاوز ازدواجية النظام العقاري ، بحيث هناك مجموعة من الأملاك العقارية محفظة تخضع لظهير 12 غشت 1913 كما وقع تعديله ، وأخرى غير محفظة تخضع لمدونة الحقوق العينية والفقه المالكي، ثم الأعراف والعادات .
مما يساهم في انعدام الأمن القانوني واستقرار المعاملات .بما تعرفه العقارات غير المحفظة من الترامي وادعاء الحيازة المكسبة وقضايا الاستحقاق .
والمشرع وإن كان يعلم مزايا التحفيظ العقاري لم يجعله إجباريا ، بحيث نجد مجموعة من الأملاك العقارية غير محفظة وعلى رأسها أملاك الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، والتي من المفروض أن تعطي المثل في هذا الشأن .
وحسب المعطيات المستقاة من الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، فإنه تم تأسيس ما يناهز 6.100.000 رسما عقاريا إلى حدود سنة 2019، بمعدل انجاز لا يتجاوز 350.000 رسم عقاري في السنة .
وهذه النسبة الضئيلة تعود أساسا إلى عدم إجبارية التحفيظ العقاري ، ناهيك أن الدولة والجماعات السلالية تكتفي في جل الأحيان، باستصدار المرسوم بالمصادقة على التحديد الإداري دون أن تباشر عملية استخراج رسوم عقارية خاصة بالعقارات المحددة تحديدا إداريا ، بدعوى أن تلك الأملاك أصبحت محصنة ومطهرة من الحقوق السابقة على المصادقة ، كما أن مصاريف استخراج الرسوم العقارية مكلفة .
العنوان الثالث : تعدد الأنظمة العقارية
1_ الملك الخاص لأفراد والأشخاص المعنوية الخاصة، كالجمعيات والشركات والتعاونيات السكنية والوداديات ؛
2_ الملك العام للدولة والجماعات الترابية( غير مصرح بمساحتها )؛
3_ الملك الخاص للدولة والجماعات الترابية( مساحة الملك الخاص للدولة في حدود مليونين هكتار تقريبا ،أما أملاك الجماعات فغير مصرح بها ) ؛
4_ الملك الغابوي: 9 ملايين ونصف هكتار
5_ الأملاك الحبسية: (85 ألف هكتار عبارة عن أراضي فلاحية وقالع ، والباقي غير مصرح به ) ؛
6_ أملاك الجماعات السلالية: (تفوق مساحتها 15 مليون هكتار )
7_ أملاك ذات طابع خاص ( القصور والاقامات الملكية ، والمآثر التاريخية ، والثكنات العسكرية ...)
والحاصل تعدد المتدخلين : مديرية أملاك الدولة ، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، الداخلية ، الجماعات الترابية السلالية ، وزارة الفلاحة ، وزارة التجهيز....


العنوان الرابع : تأثير هذه البنية العقارية، وطبيعتها وطرق تدبيره،ا على القطاع السكني؟
يعتبر الولوج إلى السكن حق دستوري وكوني ، وقد نص الفصل 31 من الدستور على أنه تعمل المؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من الحق في السكن اللائق .
فيما نصت المادة 25 من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن " لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته ، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية ..."
وعلى هذا الأساس، يدخل الحق في السكن في مجال العيش الكريم للمواطن ، لذلك عملت الدولة على تقليص العجز السكني من 1.200.000 وحدة سكنية سنة 2002 إلى 400.000 وحدة سنة 2017 ، مما أدى فتح المجال إلى 62% من الساكنة للولوج إلى الملكية العقارية .
لكن ، ورغم هذا المجهود الذي قامت به السلطات العمومية في المجال السكني ، أكد الواقع المعاش أن الاحتياجات السكنية تصل إلى 642.000 وحدة سكنية حاليا ، وتزداد حاجيات الأسر ب 125.000 وحدة سكنية سنويا حسب رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

العنوان الخامس : ما هي سياسة الدولة من أجل تجاوز هذه الأزمة ؟
1_ تعليمات جلالة الملك في الموضوع
جاء في خطاب الملكي السامي ل 20 غشت 2001 بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب على أن جلالته يولي السكن الاجتماعي الأولوية القصوى في السياسات الوطنية سواء في ظل مشاريع الدولة والمؤسسات التابعة لها أو عن طريق جعل تمويل السكن الاجتماعي اللائق ، يتصدر صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وكذا تشجيع مبادرات القطاع الخاص والمجتمع المدني في هذا المجال .
وفي هذا إشارة واضحة من جلالة الملك حفظه الله ، للدور المحوري الذي يجب أن تلعبه الوداديات والتعاونيات السكنية في مجال السكن الاجتماعي اللائق .

2 _ السكن في البرنامج الحكومة الحالية
تميز البرنامج الحكومي لسنة 2017- 2020 بالخطوط العريضة التالية :
_ إرساء استراتيجية وطنية وشمولية ومندمجة في مجال السكن ؛
_ دعم حصول الطبقات الفقيرة والمتوسطة على سكن لائق ؛
_ تيسير الولوج للسكن .

العنوان السادس : ما هي مظاهر تنزيل البرنامج الحكومي ؟
بداية لا بد من الإشارة إلى أن عدد سكان المغرب قفز خلال الفترة الممتدة بين 1960 و 2014 إلى 3 مرات ، كما تضاعفت مرتين خلال هذه الحقبة ساكنة العالم الحضري وذلك من 29 % إلى ما يفوق 60 % ، كما أن التوقعات تسير نحو ارتفاع نسبة التمدن بالمغرب سنة 2030 إلى 70 % . وهذا ما سيفاقم العجز السكني في المناطق الحضرية .
ونظرا لأن العمل الحكومي يتميز بالاستمرارية ، فإن الحكومات السابقة والحالية تسير نحو تكريس سياسة برنامج مدن بدون صفيح الذي انطلق أواخر القرن العشرين ، وتشجيع السكن الاجتماعي( 250.000 درهم ) والسكن منخفض التكلفة (140.000 درهم ) وبرنامج السكن المخصص للطبقة الوسطى بالنسبة للأشخاص الذين لا يتعدى دخلهم الشهري الصافي 20.000 درهم ، والمدن الجديدة والتأهيل الحضري ، بالإضافة للسكن القروي ، ويتم ذلك عن طريق إبرام اتفاقيات مع المنعشين العقاريين وكذا منح تسهيلات ضريبية وتيسير الولوج إلى القروض البنكية .
وحسب المعلومات الرسمية ، فإن قيمة الرهون العقارية المسجلة سنة 2018، وصلت 86 مليون درهم تقريبا ، وارتفعت القروض السكنية من 5، 4 % إلى 3، 6% بفضل التمويل التشاركي . كما ساهمت مجموعة العمران باعتبارها أداة لتنفيذ السياسات العمومية في مجال السكنى باستثمار ما قيمته 5 مليار درهم وتم انجاز 5000 وحدة في إطار الشراكة مع القطاع الخاص . وتم إنتاج 100 ألف وحدات التأهيل الحضري لحساب الدولة .
كما أن الحكومة خصصت 200 مليون درهم لصندوق التضامن السكني والادماج الحضري برسم ميزانية سنة 2020 .

العنوان السابع : مدى مساهمة التعاونيات والوداديات السكنية في الحد من أزمة السكن ؟

قال تعالى :" وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونا على الإثم والعدوان." صدق الله العظيم .وهذا هو المنطلق الذي يجب أن يكون مصدرا للعمل التعاوني عامة .
يرجع الاهتمام بالتعاون السكني على مستوى القانون الوضعي بالمغرب إلى ظهير 20 يونيو 1932 بشأن المساكن الشخصية ومحلات السكنى الجماعية المتوفرة على الوسائل الصحية والرخيصة الثمن المكراة بأكرية وسطى ، ثم تلاه ظهير 16 أكتوبر 1951 الذي أجاز تأليف شركات التعاون الخاصة بالسكنى التي تسعى إلى بناء العمارات الشخصية منها والجماعية المعدة لسكنى منخرطيها دون غيرهم . ويمكن لهذه الشركات إنشاء اتحاد في صورة شركة مجهولة الاسم. وتعمل هذه الشركات تحت وصاية وزارة المالية .
وتطبيقا لهذا القانون برز أول مشروع سكني ببني ملال يهدف إلى بناء 2000 مسكن سنة 1955.
وقد أثنى جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله على العمل التعاوني بمناسبة صدور أول مجلة تعاونية مغربية سنة 1958 عندما قال " إن من أهم عوامل الازدهار الاقتصادي في أي بلد قيام مؤسسات تعاونية فيها تلتئم الجهود المتفرقة وتتعاضد القوى الفردية ."
وهذا هو نفس المنهج الذي سار عليه المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني الملقب بالملك الباني في خطابه السامي الذي ألقاه بتاريخ 19 شتنبر 1972 عندما قال " علينا أن ننظر إلى التعاونية بصورة جدية ، فلا يمكن أن تعطي أكلها إلا إذا كانت مبنية على أساسين متينين ، أولهما روح التعاون، أما الأساس الثاني فهم الأطر التي تبنى التعاونية على كاهلهم..."
هذا في الوقت الذي أصدرت هيأة الأمم المتحدة القرار رقم 50/47 بتاريخ 19 دجنبر 1992 بعنوان دور التعاونيات في ضوء الاتجاهات الاقتصادية الجديدة أول سبت من شهر يوليوز من كل سنة يوما عالميا للتعاونيات ، كما دعا إلى تشجيع الحكومات على إشراك التعاونيات في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المطروحة على الصعيد المحلي .
لكن ما يلاحظ ، أن التعاونيات السكنية بالمغرب لا تتوفر على نص خاص ينظمها وإنما تخضع لنصوص متفرقة، منها القواعد العامة لقانون الالتزامات والعقود ، وقانون الحريات العامة ، ثم القانون رقم 112.12 المتعلق بالتعاونيات الصادر سنة 2014 كما وقع تعديله والذي ينظر إلى التعاونية باعتبارها مقاولة ، تعمل تحت وصاية مكتب تنمية التعاون. والملفت للنظر أنه يمتاز النسيج التعاوني بالمغرب بهيمنة القطاع الفلاحي بنسبة 65 % ثم قطاع الصناعة التقليدية بنسبة 13 % ، ثم قطاع السكن في المرتبة الثالثة بنسبة 12 % .
وقد حققت التعاونيات السكنية نتائج جد مهمة على صعيد القطاع السكني حيث بلغ عدد السكنية أكثر من 1100 تعاونية موزعة على الصعيد الوطني ينضم إليها أكثر من 50.000 منخرط برأسمال 47 مليون درهم .
وقد سعت الوزارة المكلفة بقطاع السكن إلى إعداد نص قانوني خاص بالتعاونيات السكنية ، تحت اسم المشروع قانون رقم 32.13 المتعلق بالتعاونيات السكنية ، لم ير النور لحد الآن بسبب الضغط الذي يمارسه من لا مصلحة له في صدوره ، والذي عرف التعاونية السكنية بأنها " جماعة تتألف من أشخاص طبيعيين ، اتفقوا على انجاز مشروع سكني لحسابهم الخاص ، يكون الغرض منه توفير مساكن أو مساكن بمرافقها ، قصد تمليكها لأعضائها بسعر التكلفة ، بمجرد انتهاء الأشغال والحصول على رخصة السكن ، وتعتبر التعاونية السكنية شخصا معنويا يتمتع بالأهلية القانونية وتعمل تحت وصاية الوزارة المكلفة بقطاع السكنى ، وقد تستفيد التعاونيات من امتيازات ضريبية .
والذي حصل على الصعيد الواقعي هو محاربة التعاونيات السكنية من مجموعة من الأطراف تمثل بدءا في صدور رسالة دورية بتاريخ 3 شتنبر 2015 على عهد وزير الاقتصاد والمالية السابق ، الموجهة إلى مدير أملاك الدولة ، يطلب منه "التوقف الفوري عن تلقي طلبات الوداديات والتعاونيات السكنية الرامية إلى تخصيص أو تفويت العقارات التابعة لملك الدولة الخاص لفائدتها .
وتوج هذه السياسة الممنهجة بصدور المادة 138 من القانون المالي لسنة 2018، التي خولت مفتش المالية وضعية " ضابط شرطة في المجال المالي " ضدا على المسطرة الجنائية التي تحدد من له الصفة الضبطية ، بحيث فرضت على التعاونيات تزويد " السيد مفتش الضرائب والتسجيل ." بقوائم الأعضاء المنخرطين في التعاونيات ، مع ترتيب الآثار القانونية والضريبية والمالية على ذلك . في مخالفة صريحة لاختصاص وزارة الاقتصاد والمالية كما هو وارد في مرسوم 23 أكتوبر 2008 عامة والمديرية العامة للضرائب خاصة والذي ينحصر في إعداد السياسة الجبائية وتنفيذها والحد من التهرب الضريبي ، وبصفة عامة كل ما يتعلق بتحصيل الرسوم والضرائب وتدبير المحاسبة الخاصة في الحدود التي يمنحها القانون .
وهذا ما يعني عدم مسايرة الادارة الضريبية للتوجه الحكومي في مجال دعم المجال التعاوني وخاصة في مجال السكن ، في الوقت الذي تنعم المقاولات والشركات التي تعمل في مجال العقار من الإعفاءات الضريبية بصفة متتالية ، مما يطرح أكثر من علامات الاستفهام. وذلك دون استحضار لمزايا التعاونيات السكنية التي يمكن تلخيصها كالتالي :
* المساهمة في الحد من أزمة السكن عن طريق تأطير الراغبين في الحصول على السكن ؛
* الحث والنصح على الادخار من أجل اقتناء السكن ؛
* تسهيل إمكانية الحصول على القروض البنكية بشروط تفضيلية ؛
* تخفيض تكلفة السكن بتنحية الوسطاء والسماسرة في مجال العقار؛
* مساعدة الدولة على الحد من أزمة السكن ولا سيما بالنسبة لذوي الدخل المحدود والمتوسط.

العنوان الثامن : معيقات العمل التعاوني في مجال السكن
تواجه التعاونيات السكنية بالمغرب مجموعة من العوائق ، منها ما هو قانوني ومنها ما هو مؤسساتي ومنها ما هو ذاتي .
أولا : العوائق القانونية
تتمثل العوائق القانونية في صعوبة عملية اقتناء الوعاء العقاري الصالح للسكن، وذلك بسبب تعدد الأنظمة العقارية كما رأينا و تعدد المتدخلين، وعوائق أخرى أتى بها الفصل 82 من قانون المحاسبة العمومية الصادر سنة 1967 كما غير وتتمم ، الذي لا يخول الدولة(الملك الخاص) بيع ممتلكاتها العقارية لفائدة التعاونيات السكنية إلا إذا اتخذ المشروع السكني طابع استثماري وموافقة المراكز الجهوية للاستثمار التي تحولت بمقتضى القانون رقم 47.18 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف بتاريخ 13 فبراير 2019 إلى مؤسسات عمومية .
غير أن الملاحظ ان بعض التعاونيات السكنية تعمد إلى البناء فوق الأملاك العمومية جزءا من بنائها ، ثم تطالب بتسوية الوضعية القانونية لها ، فيتم استخراج القطعة المشمولة بالملك العمومي للدولة إلى ملكها الخاص قصد تفويتها لفائدة تلك التعاونية السكنية عن طريق المراضاة ( النموذج ،المرسوم بتاريخ 25 فبراير 2019المنشور ج ر بتاريخ 11 نونبر 2019)
ثانيا التعقيدات التقنية : وتتمثل في صعوبة مسطرة الحصول على رخص البناء والسكن والتجزيء المسلمة من طرف السلطات المنتخبة، وتكاليفها المالية الباهظة ؛
ثالثا : مشاكل ذاتية : غياب تأطير محكم للوداديات والتعاونيات السكنية، مبني على فهم الاقتصاد الاجتماعي والمحاسبة العمومية والعلوم القانونية والإدارية، وطرق التسيير، وقراءة التصاميم المعمارية والطبوغرافية ، والملفات التقنية ؛
رابعا : مشاكل التمويل: حيث نسبة مهمة من تمويل المشاريع السكنية تتم من طرف التمويل الذاتي عن طريق الادخار أو بواسطة القروض البنكية والمعاملات التشاركية .
خامسا : مشاكل التحفيظ العقاري والتقييدات المكلفة ماليا .
وخلاصة عامة :
ومما ينبغي التذكير به أن الصعوبات التي تعتري العمل التعاوني بالمغرب سيعرف أوجه في هذه السنة والسنوات المقبلة بسبب جائحة كورونا التي أصابت القطاع العقاري في مقتل ، حيث إن ما بقرب من 90% من المشاريع في مجال البناء والإسكان متوقفة ، علما أن هذا القطاع يساهم ب 14% من الناتج الداخلي الإجمالي ويوظف أكثر من مليون نسمة ، ويستحوذ على 30% من القروض البنكية.
وعليه تكون الحكومة ملزمة بالتفكير في إعادة النظر في التكاليف الضريبية المنصبة على السكن الاجتماعي ، وكذا العمل على التخفيف من مصاريف التحفيظ العقاري والتسجيل المتعلقة به . مع حث مؤسسات الأعمال الاجتماعية للموظفين على التعامل بجدية مع الجانب السكني عوضا عن إبرام اتفاقيات مع كبار المنعشين العقاريين بتكاليف لا تختلف عن السوق العقاري أو بالحصول على نسبة القروض لفائدتهم بنسبة غير مشجعة .


---
هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ
من واجبنا أن نجتهد في توفّير كلّ ما تحتاجونه، ومن حقّنا عليكم نشر كلّ صفحة أفادتكم
D'ailleurs, n'hésitez pas à aimer/partager cet article
تعليقات