🛑 *قراءة دستورية استباقية...ما هي مواد مشروع قانون المحاماة التي قد تخضع لرقابة المحكمة الدستورية؟*
✍️ من بين المواد التي من الراجح أن تستوقف المحكمة الدستورية في مشروع قانون المحاماة، نجد المادة 78، ليس فقط لأنها تتعلق بحق الدفاع وحصانته، بل لأنها تجمع داخل النص نفسه بين ضمانة قوية للمحامي، وصياغة مفتوحة قد تحد من الأثر العملي لهذه الضمانة.
🔎 فالمادة 78 تقرر أولا *أن للمحامي أن يسلك الطريقة التي يراها ناجعة للدفاع عن موكله، وأنه لا يسأل عما يرد في مرافعاته الشفوية أو مذكراته مما يستلزمه الحق في الدفاع* لكنها تضيف بعد ذلك أنه إذا صدر عن المحامي أثناء الجلسة سب أو قذف أو إهانة أو *أي فعل يخل بنظام الجلسة أو يعطل استمرار أشغالها*، فإن المحكمة تحرر محضرا مستقلا وتحيله إلى النقيب والوكيل العام للملك لاتخاذ المتعين قانونا.
👈 الإشكال الدستوري هنا لا يكمن في حماية النظام داخل الجلسات، فذلك هدف مشروع، وإنما يكمن أساسا في عبارة: *أي فعل يخل بنظام الجلسة أو يعطل استمرار أشغالها*.
👈 فهذه العبارة واسعة جدا، ولا تحدد معيارا موضوعيا للإخلال، ولا تضع حدا فاصلا واضحا بين ممارسة حق الدفاع وبين الإخلال بنظام الجلسة أو تعطيل استمرار أشغالها؟.
❓فعبارة: *أي فعل يخل بنظام الجلسة* هي عبارة فضفاضة جدا، فما المقصود بالإخلال؟ هل هو رفع الصوت؟ أم إشارات لغة الجسد؟ أم مقاطعة رئيس الجلسة؟ أم الإصرار على تسجيل دفع؟ أم رفض الجلوس أو السكوت؟ أم الانسحاب من الجلسة؟ أم الاحتجاج على قرار مسطري أو إجرائي؟.
👈 كل هذه الصور المختلفة، وضعت الآن تحت عبارة واحدة، علما أن عبارة "أي فعل" لا حدود لها، واتساعها يسمح بتطبيق نفس النص على وقائع متفاوتة جدا، وهو ما يمس بشكل واضح بمبدأ التناسب.
👈 ونفس الأمر ينطبق على عبارة *يعطل استمرار أشغالها* فما المقصود بالتعطيل، وهل هو التعطيل الذي قد يكون لبضع ثوان أو دقائق دون أن يؤدي إلى رفع الجلسة أم الذي يؤدي إلى رفع الجلسة، القانون لم يضع أي معيار موضوعي للتفريق بين الحالات المختلفة.
‼️طبعا لا يستطيع المحامي، وهو يمارس مهامه، أن يتوقع بدقة متى يكون تشبثه بدفع أو اعتراضه على إجراء أو إصراره على تسجيل واقعة في المحضر ممارسة مشروعة للدفاع، ومتى يمكن أن يعتبر فعلا مخلا بنظام الجلسة؟
⚖️ هنا يبرز معيار مهم في القضاء الدستوري والحقوقي المقارن، هو معيار الأثر الرادع أو L’effet dissuasif / Chilling Effect. والمقصود به الحالات التي يكون فيها النص القانوني، أو تطبيقه، من شأنه أن يدفع الشخص إلى الإحجام عن ممارسة حق مشروع خوفا من المتابعة أو الجزاء، ولو لم يكن النص يمنع ذلك الحق صراحة.
🔎 وقد استعملت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هذا المعيار في قضايا متعددة تتعلق بحرية التعبير، ومنها قضايا تخص المحامين تحديدا. ففي قضية Nikula v. Finland، اعتبرت المحكمة أن المحامي، بصفته مدافعا عن موكله، له الحق في توجيه انتقادات مرتبطة بالدفاع، وأن ممثل النيابة العامة يجب أن يتحمل قدرا من النقد الصادر في هذا السياق.
وفي قضية Steur v. Netherlands، ربطت المحكمة بين حرية تعبير المحامي وواجبه في الدفاع عن مصالح موكله، واعتبرت أن التدخل في هذه الحرية قد تكون له آثار تتجاوز المحامي المعني إلى ممارسة المهنة نفسها.
✍️ ولهذا، فإن الصياغة الفضفاضة قد لا تؤدي فقط إلى متابعة المحامي بعد الواقعة، بل قد تنتج أثرا أخطر: أن يتردد المحامي المغربي سلفا في ممارسة دفاع قوي وجريء، خشية أن يعتبر سلوكه لاحقا "إخلالا بنظام الجلسة" أو "تعطيلا لاستمرار أشغالها".
✅ ورغم أن المحكمة الدستورية المغربية لم تستعمل إلى حدود علمي معيار "الأثر الرادع"، فإنها كرست في عدة قرارات مبادئ الأمن القانوني، ووضوح القاعدة القانونية وقابلية النص للتوقع. وهي مبادئ تقترب كثيرا من معيار "الأثر الرادع" .
✅ بل إن قرارها الأخير بشأن قانون مهنة العدول أكد أن الصياغة التشريعية يجب أن تكون دقيقة بما يحقق الأمن القانوني. وأن القاعدة القانونية التي تسمح بتعدد التأويلات ولا تمكن المخاطبين بها من الوقوف على مدلولها بشكل دقيق، تكون قد أخلت بمتطلبات الأمن القانوني المستمدة من الفصل السادس من الدستور. كما أكدت المحكمة الدستورية في نفس القرار أن النص التشريعي يجب أن يكون واضحا ودقيقا وقابلا للتوقع، وأن الغموض الذي يفتح المجال لاجتهادات متباينة من شأنه تعريض المراكز القانونية لعدم الاستقرار.
👈 وإذا كان هذا هو المعيار الدستوري، فإن عبارة المادة 78: *كل فعل يخل...* تثير الإشكال نفسه، لأنها لا تحدد على سبيل الدقة طبيعة الأفعال المقصودة ولا معيار الإخلال المقصود، مما يترك تقديرها لاختلاف الجهات المكلفة بالتطبيق، ويجعل المحامي عاجزا عن التنبؤ مسبقا بما إذا كان سلوكه المهني يدخل في نطاق الفعل المجرم أو المؤدي إلى المتابعة، وهو ما قد يمس بمبدأي الأمن القانوني واليقين القانوني، فضلا عما قد يحدثه من أثر رادع (Chilling Effect) على حرية الدفاع والمرافعة المكفولة دستوريا.
📖 ولا شك أن المحكمة الدستورية وهي تبسط رقابتها الظستورية على المادة 78 ستستأتس بمبادئ هافانا مادام أن الدستور المغربي نفسه قد انفتح في تصديره على منظومة القانون الدولي، حيث أكد تشبث المملكة بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، والتزامها بجعل الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة، تسمو على التشريعات الوطنية والعمل على ملاءمة هذه التشريعات معها.
👈 صحيح أن مبادئ هافانا ليست اتفاقية دولية ملزمة، وإنما تندرج ضمن ما يعرف في الفقه الدولي بـ"القانون الدولي غير الملزم" (Soft Law)، غير أن ذلك لا ينقص من قيمتها القانونية بوصفها المرجعية الأممية الأكثر تخصصا في بيان الضمانات الأساسية لاستقلال المحامين وفعالية حق الدفاع، وقد أصبحت مع مرور الزمن مرجعا تفسيريا تسترشد به أجهزة الأمم المتحدة والعديد من الهيئات القضائية الدولية والإقليمية عند تقييم التشريعات المنظمة لمهنة المحاماة.
🔎 مع وجوب الإشارة إلى أن هذا المنهج ليس غريبا عن القضاء الدستوري المغربي، فقد سبق للمحكمة الدستورية في قرارها رقم 1979 المتعلق بتصفية نظام معاشات أعضاء مجلس النواب، أن دعمت تفسيرها لأحكام الدستور بالإحالة إلى اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 102 بشأن المعايير الدنيا للضمان الاجتماعي، معتبرة أن التأويل الذي انتهت إليه ينسجم مع مضمون تلك الاتفاقية.
✅ ويكشف هذا التوجه أن المحكمة لا تنغلق على النص الدستوري في عزلة، وإنما قد تستأنس بالمرجعيات الدولية المتخصصة متى كانت ذات صلة بموضوع الرقابة الدستورية.
👈 وانطلاقا من هذا المنهج، لا يستبعد أن تجد المحكمة الدستورية في مبادئ هافانا مرجعا تفسيريا مهما عند فحص دستورية المقتضيات المتعلقة بحصانة المرافعات، ولا سيما أن هذه المبادئ تقرر بوضوح وجوب تمكين المحامي من ممارسة مهامه دون ترهيب أو مضايقة أو تهديد بالعقوبات، وتكرس الحصانة عن الأقوال والتصريحات المهنية الصادرة بحسن نية أثناء ممارسة الدفاع.
👈 كما أن الفلسفة العامة لهذه المبادئ تتجه إلى منع كل نص تشريعي يمكن أن يولد "أثرا رادعا" يدفع المحامي إلى التردد أو الرقابة الذاتية أو الإحجام عن استعمال وسائل الدفاع المشروعة، بما قد يمس جوهر الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة.
🙏أرجو أن تنتصر المحكمة الدستورية لحقوق الدفاع كما كرسها الدستورفي صلبه وفي تصديره، وان تستأنس بالتفسيرات الأممية للحق في الدفاع وفي المحاكمة العادلة وفق المتعارف عليه دوليا.(ذ.يوسف وهابي).
🙏عادة لا أطلب مشاركة منشوراتي ولكني وبصفة استثنائية أطلب من الزميلات والزملاء والصديقات والأصدقاء ومتتبعي هذه الصفحة وكل مواطن غيور ومواطنة غيورة مشاركة هذا المنشور دفاعا عن حق الدفاع الذي ينبغي أن يكون حقا مضمونا لكل من اضطرته الظروف إلى ممارسة حق التقاضي. تحياتي لكن ولكم جميعا.
#المحكمة_الدستورية
#حصانة_المرافعة
#حق_الدفاع
