📁 آخر الأخبار

من القاعة إلى الشاشة: كيف يُعيد المغرب رسم معالم العدالة الجنائية عبر المحاكمة الرقمية؟

 من القاعة إلى الشاشة: كيف يُعيد المغرب رسم معالم العدالة الجنائية عبر المحاكمة الرقمية؟



1. المقدمة: من اضطرار الجائحة إلى ثورة التشريع الرقمي


هل يمكن للشاشة الرقمية أن تكون بديلًا كاملًا لقاعة المحكمة التقليدية دون أن تضيع حقوق المتهم أو تتأثر عدالة الأحكام؟ هذا السؤال الذي كان مجرد نقاش أكاديمي يتحول اليوم إلى واقع قانوني وميداني يعيد تشكيل العدالة الجنائية في المغرب.


فخلال الظروف الاستثنائية التي فرضتها جائحة "كوفيد-19"، وجدت المحاكم المغربية نفسها أمام ضرورة ملحة للتوفيق بين متطلبات الأمن الصحي واستمرارية المرفق القضائي. أُعمدت تقنيات التقاضي عن بعد حينها في إطار "حالة الضرورة"، لكن دون أن تكون مؤطرة بنصوص قانونية دقيقة تضبط أحكامها وشروطها، مما كشف عن هشاشة الآليات التقليدية وضرورة تحديث المنظومة.


واليوم، لم يعد الأمر مجرد إجراء استثنائي مؤقت؛ إذ اتجه المشرع المغربي إلى حسم هذا التحول وتأطيره تشريعيًا من خلال إدراج مقتضيات دائمة ومبتكرة ضمن قانون المسطرة الجنائية (المواد من 595-11 إلى 595-17). تهدف هذه التعديلات إلى تكريس نموذج جديد للعدالة الرقمية يستند إلى النجاعة والسرعة وتبسيط الإجراءات، مع الحرص الصارم على ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع المكفولة دستورياً ودولياً.


استكشف في هذا المقال أبرز 5 مستجدات وتحولات جوهرية أقرها هذا التعديل التشريعي في منظومة المحاكمات الرقمية.


2. النقطة الأولى: "العدالة بضغطة زر".. ولكن بشرط "الموافقة الصريحة" التي لا رجعة فيها


تتيح التعديلات الجديدة للنيابة العامة وقاضي التحقيق والمحكمة خيار إعمال إجراءات البحث أو التحقيق أو المحاكمة عن بعد واستعمال تقنيات الاتصال المعاصرة. ولا يقتصر هذا الإجراء على المتهمين فحسب، بل يمتد ليشمل دائرة واسعة من الفاعلين في المحاكمة: المشتبه فيه، المتهم، المسؤول المدني، الضحية، المطالب بالحق المدني، الشاهد، والترجمان، بل وكل شخص ترى الهيئات القضائية فائدة في الاستماع إليه.


غير أن المشرع وضع شرطاً جوهرياً لحماية إرادة المتقاضين وضمان سلامة الإجراءات؛ وهو ضرورة الحصول على الموافقة الصريحة المسبقة للشخص المراد الاستماع إليه، مع تدوين هذه الموافقة رسمياً في محضر الجلسة أو الاستماع.


لكن القاعدة الأكثر حزماً وتنبيهاً تتمثل في الحظر المسطري الصارم للتراجع عن هذه الموافقة بعد إبدائها؛ إذ لا يحق للشخص الذي وافق على المحاكمة أو الاستماع عن بعد أن يتراجع لاحقاً أو يعترض على المسطرة أمام الهيئة الحاكمة، إلا إذا رأت المحكمة أن حضوره الشخصي ضروري لضمان حسن سير الإجراءات، أو بناءً على طلب يقدمه هو أو دفاعه.


"يجب أن تتضمن موافقة المتهم أو الشخص المراد الاستماع إليه عن بعد بمحضر الاستماع. ولا يمكن لمن سبق له إبداء موافقته على الاستماع عن بعد التراجع عن هذه الموافقة أو الاعتراض عليها أمام الهيئة التي قررت اللجوء إلى هذه المسطرة أثناء بتها في القضية مالم تقرر الهيئة حضوره لضمان حسن سير إجراءات المحاكمة أو بناء على طلبه أو طلب دفاعه." — المادة 595-11 من قانون المسطرة الجنائية


3. النقطة الثانية: المحامي بجانبك.. حتى لو كنت خلف الشاشة (ضمانات الدفاع الرقمية)


أحد أكبر التخوفات التي رافقت جلسات المحاكمة الافتراضية كان مدى تأثيرها على الاتصال بين المتهم ودفاعه. وفي هذا الصدد، نص التعديل الجديد بوضوح على أن الأطراف المستمع إليهم عبر تقنيات الاتصال عن بعد يتمتعون بكافة الضمانات والآثار القانونية المقررة للحضور الشخصي المباشر.


ولضمان ممارسة حقيقية لحقوق الدفاع، منح القانون المحامي مرونة عملية كاملة لتحديد مكان تواجده أثناء الإجراءات:


* في المحاكمات المباشرة عن بعد: يمكن للمحامي التواجد في قاعة المحكمة إلى جانب القاضي الذي يجري التحقيق أو الاستماع أو المواجهة، أو الحضور المباشر إلى جانب موكله المعتقل داخل المؤسسة السجنية.

* في حالات الإنابة القضائية الرقمية: يمتلك الدفاع الخيار المزدوج بالحضور إما إلى جانب موكله بالمكان الذي يجري فيه تنفيذ الإنابة، أو إلى جانب كاتب الضبط المكلف من الجهة القضائية المنابة.


وفي جميع الحالات، يُلزم القانون المحكمة بالتثبت والحرص التام على كفالة سرية التواصل بين المتهم ودفاعه وضمان جودة البث والاتصال. وفي حال تعذر إجراء التقاضي عن بعد لأي سبب تقني أو إجرائي، توجب المادة 595-11 على المحكمة تأجيل الجلسة، مما يجعل كفاءة الوسيلة التقنية شرط صحة مسطرياً لانتظام المحاكمة.


4. النقطة الثالثة: الإنابة القضائية الرقمية.. إنهاء كابوس نقل المعتقلين وتنقل الشهود


تعد المادة 595-13 قفزة نوعية في خفض أمد القضايا وتجاوز التعقيدات اللوجستية التي ظلت تؤرق المنظومة القضائية لسنوات. ففي السابق، كان نقل المعتقلين من مؤسسات سجنية تقع خارج المدار الحضري أو استدعاء شهود يقطنون في مدن بعيدة يتسبب في تأجيلات متكررة للجلسات وإهدار للوقت والمال.


بموجب المقتضيات الجديدة للإنابة القضائية الوطنية عن بعد، أصلح بإمكان النيابة العامة أو قاضي التحقيق أو المحكمة إصدار "إنابة قضائية" إلى الجهة القضائية المختصة في المدينة أو الدائرة التي يتواجد بها الشخص (سواء كان شاهداً أو متهماً أو طرفاً آخر):


1. تُحدد الإنابة هوية الشخص، والمهمة المطلوبة، وتاريخ وساعة إنجازها.

2. يُستدعى المعني بالأمر إلى قاعة مجهزة بتقنيات الاتصال عن بعد بالمحكمة المنابة.

3. يُجرى الاستماع أو الاستنطاق أو المواجهة تحت إشراف كاتب ضبط مكلف من الجهة القضائية المنابة، يحرر محضراً شكلياً يثبت فيه زمن وتاريخ والتقنية المستعملة والأحداث التي قد تقع، دون الخوض في موضوع وتفاصيل التصريحات ذاتها.

4. يوقع المعني بالأمر على المحضر ويُحال فوراً إلى المحكمة المنيبة، والتي تتولى هي حصراً تلاوة المحضر وإدراج مضمون التصريحات في ملف القضية، مع إمكانية توثيق العملية بأكملها عبر تسجيل سمعي وبصري.


5. النقطة الرابعة: السيادة الوطنية والخطوط الحمراء أمام المحاكم الأجنبية والإنابة الدولية


لم يغفل التعديل التشريعي تنظيم التعاون القضائي الدولي في شقه الرقمي، حيث وضعت المادتان 595-14 و595-15 قواعد دقيقة لاستماع المحاكم الأجنبية للأشخاص الموجودين داخل التراب المغربي عبر الإنابات القضائية الدولية عن بعد، مع الاستناد المباشر إلى خطوط حمراء تحمي السيادة الوطنية.


اشترط القانون موافقة الشخص المعني صريحاً على الاستماع إليه من قبل الجهة الأجنبية، وأوكل للقاضي المغربي المعين من رئيس المحكمة مهمة الإشراف المباشر على العملية وإدارتها وتوثيقها. وتجلى البعد السيادي والضمانات الإجرائية عبر عدة أحكام مفصلة:


* حظر المساس بالثوابت والأسرار الوطنية: يمتلك القاضي الوطني المشرف (تلقائياً أو بطلب من النيابة العامة) صلاحية الاعتراض على أي سؤال يطرحه القضاء الأجنبي إذا كان من شأنه المساس بمصالح المغرب الأساسية، أو ثوابته، أو يتعلق بسر من أسرار الدفاع الوطني. بل إن للقاضي المغربي حق إيقاف تنفيذ الإنابة القضائية بالكامل إذا أصرت المحكمة الأجنبية على طرح السؤال المعترض عليه.

* إلزامية الترجمة الفورية: ألزمت المادة 595-14 وجوب حضور مترجم إذا كانت المناقشات تجري بغير اللغة العربية، حتى وإن كان الشخص المستمع إليه يجيد اللغة التي تستعملها المحكمة الأجنبية، وذلك كضمانة مسطرية جوهرية لسلامة الإجراءات.

* مبدأ المعاملة بالمثل (Reciprocity): لا يُسمح للمحكمة الأجنبية بطرح الأسئلة مباشرة على الشخص المستمع إليه في المغرب إلا إذا كان تشريع تلك الدولة يمنح القضاة المغاربة نفس الحق، أو إذا قدمت التزاماً رسمياً بالمعاملة بالمثل. وفي حال غياب ذلك، يتولى القاضي المغربي حصرياً طرح الأسئلة الموجهة من الجهة الأجنبية.


وتكميلاً لهذه المنظومة الدولية، جاءت المادة 595-16 لتمنح القضاة المغاربة سلطة متبادلة ومكافِئة؛ إذ أجازت لهم استنطاق أو الاستماع إلى الأشخاص الموجودين خارج المغرب أو مواجهتهم باستخدام تقنيات الاتصال عن بعد، في إطار الاتفاقيات الدولية والقوانين الداخلية للدول المعنية، مما يرفع عن العدالة الجنائية المغربية قيود الحدود الجغرافية.


6. النقطة الخامسة: شرعية المحاكمة المرئية أمام القضاء الوطني والدولي والتوقيع الرقمي للأحكام


جاءت هذه التعديلات التشريعية لتنسجم مع توجهات اجتهادات قضائية رفيعة المستوى على الصعيدين الوطني والدولي:


* موقف محكمة النقض المغربية: صرحت محكمة النقض في قرارها الشهير (رقم 762/8 في الملف الجنائي 15973/6/8/2020 بتاريخ 06 مايو 2021) بأن المحاكمة التي تعتمد تقنيات الاتصال عن بعد توفر الشروط المستوجبة للمناقشة الحضورية والشفوية المطلوبة بموجب المادة 287 من قانون المسطرة الجنائية، وتعتبر محاكمة صحيحة وقانونية طالما كان التواصل بين أطرافها وهيئة الحكم واضحاً ونقياً من الإخلالات المسطرية.

* موقف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان: أيدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (في قرارها رقم 21272/03) هذا التوجه، مؤكدة أن إجراء المحاكمة عبر رابط الفيديو لا يتعارض في حد ذاته مع مفهوم المحاكمة العادلة والعلنية، شريطة تمكين المتهم من متابعة مجريات المحاكمة والتعبير عن أقواله والتواصل الفعال والسرّي مع محاميه.


ولإكمال حلقة التحول الرقمي الشامل داخل المحاكم المغربية، توج المشرع هذه التعديلات بالمادة 595-17، والتي شكلت المنفذ القانوني لتحديث أدوات القضاة وكتاب الضبط؛ حيث أجازت رسمياً تذييل الأحكام والقرارات والأوامر القضائية بالتوقيع الإلكتروني أو الرقمي لكل من رئيس الجلسة وكاتب الضبط، مما ينهي عهد الورقية في وثائق الأحكام القضائية ويواكب متطلبات العدالة الرقمية.


7. الخاتمة: مستقبل العدالة بين سرعة التقنية وإنسانية القضاء


تُشكل التعديلات الأخيرة لقانون المسطرة الجنائية بالمغرب نقلة نوعية حقيقية، حوّلت ممارسات فرضتها أزمة كورونا إلى منظومة مسطرية رقمية متكاملة ومؤطرة بنصوص دائمة. لقد نجح التشريع الجديد في خلق معادلة دقيقة تجمع بين السرعة والفعالية وتجاوز الإكراهات الجغرافية واللوجستية من جهة، وتكريس الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة وحماية السيادة الوطنية من جهة أخرى.


ومع هذا التحول نحو خيارات الرقمية، يظل السؤال الفلسفي قائماً ومطروحاً للمستقبل: هل يمكن للشاشات والكبسولات الرقمية أن تعوض كلياً الهيبة الإنسانية والتفاعل المباشر داخل قاعات المحاكم دون أن تفقد العدالة جزءاً من دفئها وإنسانيتها؟


تعليقات